محمد الحفناوي
347
تعريف الخلف برجال السلف
ذلك ، وما وقع نظره على عاص إلا أطاع ، ولا على ناس إلا استيقظ ، ولا مر بأرض مجدبة إلا أنبتت ، ولا دعا في شيء بالبركة إلا وظهرت شواهد الإجابة ، وهو أحد من جمع اللّه له بين علمي الشريعة والحقيقة ، وأفتى بالإقليم الجزائري على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي اللّه عنه ، وقصده طلبة العلم ، وأخذوا عنه ، وانتفعوا بكلامه ، وانتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب . وقفت الناس عند فتاويه ، وكان متقشفا في مأكله ومفرشه ، وكان خلقه واسعا ، إذا تجادل عنده الطلبة والإخوان يشتغل هو بالذكر حتى يفرغ جدالهم ، وكان يقضي بعض مصالحه بيده ، وكان كثير الأدب والحياء ، كريم النفس جميل المعاشرة حلو الكلام ، وكان مهاب المنظر عليه خفر العلماء العاملين [ 229 ] والأولياء والصالحين ، وكان نهاره وليله في الطاعة إما في علم ، أو تلاوة قرآن ، أو ذكر ورد ، أو فكر في مصنوعات الرحمن ، أو قضاء حوائج المسلمين . ويقصده الناس من جميع الجهات لتفريج كربهم وقضاء ديونهم ، فما يذهبون من عنده إلا بالشيء الكثير فوق مرادهم ، والخلق في الإحسان عنده على حد سواء ، ويقول : الخلق عيال اللّه يراعى حق الكبير والصغير والغني والفقير والقوي والضعيف والوضيع والشريف حتى الوحوش والطيور ، وكل مخلوقات اللّه يعظم العلماء والصالحين وذريتهم ، وأهل الفضل وكل عزيز في قومه ، ويواسيهم عموما وخصوصا ذرية مشايخه أهل سنده الظاهر ، وأهل سنده الباطن ، له اليد الطولى والنعمة الكاملة عليهم ، يعظم مكانهم ويقدمهم على غيرهم من الخاصة والعامة ، ولا يملك معهم شيئا من الدنيا مع طيب نفس ، بل لو يأخذون جميع ما يملك لكان عنده ذلك من أحسن ما يكون وأجلّ وأفضل